محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
259
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
أقول : الجوابُ على السَّيِّد في هذا من وجوه : الوجه الأول : أن قولَ السَّيِّد إنَّهم لا يرتدِعُونَ عن الكذب وغيرِه من المعاصي ، مباهتةٌ عظيمة وإنكارٌ للضرورة ، فإن كلامنا إنما هو في مَنْ
--> = في الإيمان مع اتفاقهم جميعاً على أن فاقد التصديق كافر ، وفاقد العمل فاسق ، فلم يبق الخلاف إلا في التعبير ، فإن السلف وإن جعلوا الأعمال أجزاء ، لكن لا بحيث ينعدم الكل بانعدامها ، بل يبقى الإيمان مع انتفائها . وإمامنا أبو حنيفة وإن لم يجعل الأعمال جزءاً ، لكنه اهتم بها ، وحرض عليها وجعلها أسباباً سارية في نماء الإيمان ، فلم يهدرها هدر المرجئة إلا أن تعبير المحدثين القائلين بجزئية الأعمال ، لما كان أبعد من المرجئة المنكرين جرئية الأعمال بخلاف تعبير إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى : فإنه كان أقرب إليهم من حيث نفي جزئية الأعمال ، رمي الحنفية بالإرجاء ، وهذا كما ترى جور علينا فالله المستعان . ولو كان الاشتراك - مع المرجئة - بوجه من الوجوه التعبيرية كافياً لنسبة الإِرجاء إلينا ، لزم نسبة الاعتزال إليهم - أي إلى المحدثين - فإنهم - أي المعتزلة - قائلون بجزئية الأعمال أيضاً كالمحدثين ، ولكن حاشاهم من الاعتزال وعفا الله عمن تعصب ، ونسب إلينا الإرجاء ، فإن الدين كله نُصح ، لا مراماة ومنابزة بالألقاب ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ويطلق الإرجاء أيضاً على من توقف عن تصويب إحدى الطائفتين من الصحابة الذين تقاتلوا بعد عثمان رضي الله عنه ، وعلى من لا يقول بزيادة الإيمان ونقصانه . والمذموم من ذلك كله هو قول من يقول : لا تضر مع الإيمان معصية . وعليه فلا يسوغ لأحد أن يتسرع في اتهام كل من أطلق عليه الإرجاء ، بل لا بد من الفحص عن حاله ، فإن كان لإرجائه أمر الصحابة الذين تقاتلوا والتوقف في تصويب إحدى الطائفئين ؛ أو لقوله بعدم دخول الأعمال في حقيقة الإيمان أو أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، فهو من أهل السنة والجماعة ، ولا يعد ذلك طعناً في حقه ، أما من أطلق عليه الإرجاء لقوله بعدم إضرار المعاصي فهو الذي يتهم في دينه ، ويسقط الاحتجاج بخبره ، ولا يعتد بقوله . قال الإمام الذهبي في " ميزان الاعتدال " 4 / 99 : أما مسعر بن كدام فحجة إمام ، ولا عبرة بقول السليماني : كان من المرجئة مسعر وحماد بن أبي سليمان ، والنعمان ، وعمرو بن مرة ، وعبد العزيز بن أبي رواد ، وأبو معاوية ، وعمرو بن ذر . . . وسرد جماعة . قلت - ( القائل الذهبي ) : الإرجاء مذهب لعده من جلة العلماء ، لا ينبغي التحامل على قائله . وانظر " الرفع والتكميل " ص 216 - 252 للعلامة اللكنوي ، فقد أجاد في بحث الإرجاء غاية الإجادة ، ولم يدع فيه قولاً لمستزيد .